محمد حسين علي الصغير

153

الصوت اللغوى في القرآن

يبدو أن إلحاق هذه الألف في « الظنون » « السبيل » « الرسول » يشكل تلقائيا ظاهرة صوتية تدعو إلى التأمل ، وإلا فما يضير الفتح لولا الملحظ الصوتي « لأن فواصل هذه السورة منقلبة عن تنوين في الوقف ، فزيد على النون ألف لتساوي المقاطع ، وتناسب نهايات الفواصل » « 1 » . وما يقال هنا يقال فيما ورد بسورة القارعة في زيادة هاء السكت وإلحاقها في « هي » لتوافق الفاصلة الأولى الثانية في قوله تعالى : وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ( 10 ) نارٌ حامِيَةٌ ( 11 ) « 2 » . وهيا إلى سورة الحاقة وانظر إلى هاء « السكت » في إضافتها وإنارتها في جملة من آياتها ، فتقف خاشعا مبهورا ، تمتلك هزة من الأعماق وأنت مأخوذ بهذا الوضع الموسيقى الحزين ، المنبعث من أقصى الصدر وأواخر الحلق ، فتتقطع الأنفاس ، وتتهجد العواطف ، واجمة ، متفكرة ، متطلعة ، فتصافح المناخ النفسي المتفائل حينا ، والمتشائم حينا آخر ، وأنت فيما بينهما بحالة متأرجحة بين اليأس والرجاء ، والأمل والفزع ، والخشية والتوقع ، فسبحان اللّه العظيم حيث يقول : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ ( 18 ) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ( 19 ) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ( 20 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 21 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 22 ) قُطُوفُها دانِيَةٌ ( 23 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ( 24 ) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ( 25 ) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ( 26 ) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ( 27 ) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ( 29 ) « 3 » . فأنت تلاحظ الفواصل : كتابيه ، حسابيه ، كتابيه ، حسابيه ، ماليه ، سلطانيه ، قد أزيدت فيها هاء السكت رعاية لفواصل الآيات المختومة بالتاء القصيرة والتي اقتضى السياق نطقها هاء للتوافق . وما زلنا عند الهاء ، فتطلع إليها ، وهي ضمير ملصق بالفواصل ، غير زائد بل أصلي الورود ، وقد حقق بذلك وقعه في النفس ، وجرسه في

--> ( 1 ) الزركشي ، البرهان : 1 / 61 . ( 2 ) القارعة : 10 - 11 . ( 3 ) الحاقة : 18 - 29